القرطبي
65
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ابن عمر بن الخطاب عن مالك بن أنس في قوله تعالى : " وثيابك فطهر " أي لا تلبسها على غدرة ، ومنه قول أبي كبشة ( 1 ) : ثياب بني عوف طهارى نقية * وأوجههم بيض المسافر غران يعني بطهارة ثيابهم : سلامتهم من الدناءات ، ويعني بغرة وجوههم تنزيهم عن المحرمات ، أو جمالهم في الخلقة أو كليهما ، قاله ابن العربي . وقال سفيان بن عيينة : لا تلبس ثيابك على كذب ولا جور ولا غدر ولا إثم ، قاله عكرمة . ومنه قول الشاعر : * أو ذم حجا في ثياب دسم * أي قد دنسها بالمعاصي . وقال النابغة : رقاق النعال طيب حجزاتهم * يحيون بالريحان يوم السباسب ( 2 ) ومن ذهب إلى القول الثامن قال : إن المراد بها الثياب الملبوسات ، فلهم في تأويله أربعة أوجه : أحدهما - معناه وثيابك فأنق ، ومنه قول امرئ القيس : * ثياب بني عوف طهارى نقية * الثاني - وثيابك فشمر وقصر ، فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة ، فإذا انجرت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها ما ينجسها ، قاله الزجاج وطاوس . الثالث - " وثيابك فطهر " من النجاسة بالماء ، قاله محمد بن سيرين وابن زيد والفقهاء . الرابع - لا تلبس ثيابك إلا من كسب حلال لتكون مطهرة من الحرام . وعن ابن عباس : لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طاهر . ابن العربي وذكر بعض ما ذكرناه : ليس بممتنع أن تحمل الآية على عموم المراد فيها بالحقيقة والمجاز ، وإذا حملناها على الثياب المعلومة الطاهرة فهي تتناول معنيين : أحدهما - تقصير الأذيال ، لأنها إذا أرسلت تدنست ، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لغلام من الأنصار وقد رأى ذيله مسترخيا : ارفع إزارك فإنه أتقى وأنقى وأبقى .
--> ( 1 ) انظر الحاشية رقم 3 ص 62 من هذا الجزء . ( 2 ) البيت من قصيدة مدح بها عمرو بن الحارث الغساني . وأراد برقاق النعال أنهم ملوك لا يخصفون نعالهم وبطيب حجزاتهم عفتهم . والسباسب يوم ( الشعانين ) وهو يوم عيد عند النصارى وكان الممدوح نصرانيا .